القوة المصرية .. النظرية الواقعية من منظور الجمهورية الجديدة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on tumblr
Share on telegram
Share on whatsapp

متابعة  :  سماح حسيب

باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية حسام عيسى

اعداد: ميسرة

إن لم تستطع أن تقتل العدو فصادقه”… مقولة سياسية  نجحت مصر في تطبيقها منذ 26 يوليو 2013، واستطاعت أن تحول أعداؤها إلى حلفاء، فمثلًا:  تحولت ألمانيا من دولة رافضة للنظام السياسي المصري إلى دولة داعمة، بل ولها استثمارات داخل مصر، بالإضافة إلى تصريح المستشارة الألمانية آنذاك ” أنجيلا ميركل” عن ديمقراطية الشارع التي أتى بها الشعب المصري، بديلًا عن ديمقراطية الصندوق. واليوم، تركيا أدركت أن مصر هي المفتاح الحقيقي للتنمية في الأقليم.
وبنظرة تاريخية، نعود إلى عام 1918م، مع انهيار الإمبراطورية العثمانية والاحتلال البريطاني لها، واستطاعت بريطانية تغيير الهُوية التركية، وانتزعت منها الهُوية الإسلامية، ثم أنشأت الدولة التركية الحديثة عام 1923م، – دولة علمانية تدار بإدارة غربية-، وسقطت الخلافة العثمانية عام 1924م. بالتالي، فإن تركيا ليس لها أي أطماع للخلافة أو التمددّ الجيوبوليتيكي سواء في إقليم الشرق الأوسط أو الإقليم العربي. ففي عام 1945م، أصبحت تركيا جزء من مشروع مارشال الاقتصادي، وهو مشروع أمريكي؛ لدعم اقتصادات دول أوروبا الغربية ( 1945-1965)، ولمدة 20 عامًا، سيطرة أمريكا اقتصاديا على أوروبا بما فيها تركيا، وفي عام 1955م، انضمت تركيا إلى حلف الناتو، وأصبحت قاعدة عسكرية لحلف الأطلسي، وفي عام 1969م، أبرمت تركيا وأمريكا اتفاقية؛ لإنشاء 26 قاعدة عسكرية لحلف الناتو داخل الأراضي التركية، وبالتالي باتت تركيا أحد التوابع الاقتصادية والعسكرية لأمريكا، بل مركز عسكري قوي لحلف الأطلسي أكثر من إسرائيل، أي أضحت تركيا ذراع من الأذرع التي تتعامل من خلالها الولايات المتحدة في المنطقة؛ لبسط نفوذها وإبقائها مهيمنة. وإبان الحرب الباردة، كانت تركيا هي خط الدفاع الأول ضد الاتحاد السوفيتي، واليوم هي الحامية لدول أووربا ضد روسيا، وكذلك فهي متواجدة؛ لحماية الدول البترولية في الخليج. وفي عام 2003، كانت تركيا بمثابة قاعدة لوجيستية لغزو العراق، وبمساندة أمريكية في عام 2011م، دخلت تركيا الأراضي السورية والعراقية، كما ساعدتها على التواجد في ليبيا.
تولى الرئيس التركي ” رجب طيب أردوغان” مقاليد الحكم في تركيا كرئيس للوزراء عام 2003م، وبدأت حقبة التواجد الأمريكي في المنطقة بشكل قوي؛ لفرض هيمنتها على العالم، ولذلك أغدقت على تركيا بالدولار؛ من أجل أن تقوم بالأدوار المُوكل إليها.
إذًا، ما الذي حدث وأدى إلى التغير؟ إن الدوافع الأساسية للدول هي دوافع اقتصادية،  وقد تحدث عنها العيد من العلماء، منهم ” جوزيف فرانك” في كتابه ( السياسة الدولية)، و ” جون آدم سبيرو” في ( نظرية السياسة الدولية، كذلك ” ريتشارد نيد ليبو” في كتاب ( لماذا تحارب الأمم؟)، و ” جاك فونتنان” الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد وكتابه المعنون ب( العولمة والاقتصاد والأمن القومي الدولي)، بالإضافة إلى العالم الجليل المصري ” إسماعيل صبري مقلد” في كتابه ( العلاقات السياسية الدولية)، وهنا تتقابل المصالح المصرية والمصالح التركية، فكلتا الدولتين تعصف بهم أزمة اقتصادية فرضتها أمريكا على الدول الناشئة؛ للإبقاء على الهيمنة.
لقد وجهت السياسة الامريكية تركيا ضد مصر منذ عام 2013م، لتكون عقبة أمام التنمية في مصر، وساندت تركيا جماعة الإخوان في مصر عام 2013م، وتولى ” أردوغان” رئاسة المنصة الإعلامية لرفض الحكومة المصرية بقيادة الرئيس ” عبد الفتاح السيسي”. وفي 2019م، تواجدت تركيا في ليبيا، وبرمت اتفاقيات في طبرق؛ للاستحواذ على البترول والغاز الليبي، برعاية أمريكية.
لكن ما الذي أدى إلى تغير نهج السياسة التركية تجاه مصر؟ إن مصر مع الجمهورية الجديدة في عام 2014م، انتهجت درب ” استراتيجية الأولويات”، وبدأت بمفهوم الأساس للعلاقات بين الدول من منظور النظرية الواقعية، ألا وهو ” القوة”، لقد أدرك صانع القرار المصري أهمية القوة، وتم رفع قدرات الجيش المصري حتى وصل إلى المرتبة التاسعة عالميًا، والبحرية المصرية في المرتبة السادسة، أما المخابرات المصرية أضحت في صدارة الدول العالمية المخابراتية ومرجعًا للعديد من الدول، كذلك أعلت مصر من القيمة البشرية، والتي تحدث عنها ” راتزال” في كتابه عام 1897 المعنون ب( أسس الجغرافيا السياسية)، ومُلخصه هو: أن القوة أساسها العنصر البشري. وتمكنت مصر لأول مرة من جغرافيتها وإمكانياتها البشرية، وأعلنت أنها قوة إقليمية ذات حكم جغرافي للمنطقة في 20 يونيو 2020م، حين أعلنت عن الخط الأحمر ( سرت – الجفرة) بمسافة 1000كيلومتر وتستحوذ تلك المنطقة على أكثر من 80% من البترول والغاز، وكان ذاك بمثابة إعلان للقوة العسكرية والمخابراتية لمصر، بالإضافة إلى زيارة رئيس المخابرات المصرية ” عباس كامل ” إلى قطاع غزة في مايو 2021م، وتجول السيارات المصرية داخل القطاع الذي يحتوي على أكثر من 12 فصيل معادِ، ووضعت بعض النقاط الأساسية للصلح بين الفصائل الفلسطينية، كذلك تبنت إعادة إعمار غزة، ورصدت 500 مليون دولار. إذًا، فإرسال مصر لأفضل رجالها ليس إلى أطراف حدودها، بل لما بعد الحدود الرسمية بمثابة إعلان قوة المخابرتية والقدرة البشرية في إدارة دول المحيط الجغرافي للدولة المصرية.
واستكمالًا لإرساء قوة الدولة المصرية، أنشأت مصر قاعدتين عسكريتين، وهما: قاعدة محمد نجيب على البحر المتوسط، وقاعدة برنيس على البحر الأحمر، واستطاعت من إحكام قبضتها على أهم الممرات المائية التجارية العالمية في عصر من يسيطر على الممرات الاقتصادية يسيطر على الاقتصاد العالمي، وهي: قناة السويس التي يمر من خلالها ثلث تجارة العالم، وتؤثر في ثلاث قوى، هم: أمريكا والصين وروسيا.
كذلك تعتبر مصر هي صمام الأمان لقارة أوروبا ضد الهجرة غير الشرعية؛ لذلك تسعى أوروبا إلى استقرار الوضع السياسي في مصر، حيث منحتها 10 مليار دولار، مما يدل على قدرة القوة في منع تلك الهجرة لأوروبا. وقد تمكنت مصر من خلال علاقاتها أن تتواصل مع اليونان وقبرص، وتم ترسيم الحدود المائية بينهم؛ لاستخراج غاز المتوسط، ولأجل الغاز أتى أردوغان إلى مصر، كما تسعى تركيا عن طريق مصر، لمشاركة مصر في أعمار غزة؛ وتتقابل الأهداف كل من مصر وتركيا لاستقرار المنطقة من أجل التنمية، على خلاف السياسة الأمريكية التي تريد أن تدير المنطقة من خلال الصراع والأزمات.
لقد أعلنت شركة إيني الإيطالية أن مصر تستحوذ على 60% من غاز شرق المتوسط، وتشترك مع جيرانها في ليبيا وفلسطين في أكثر من 20% من الغاز، وذلك هو تحديدًا ما تبحث عنه الولايات المتحدة؛ لتعويض حلفاؤها في أوروبا بديًا عن الغاز الروسي، فمنذ عقود تبنت أمريكا إنشاء خط غاز ” نابوكو” بداية من تركمستان مرورًا بقطر، ثم سوريا، ومنها إلى تركيا، ثم أوروبا، لكن روسيا من خلال تواجدها في الشمال الشرقي أحجبت فكرة خط غاز نابوكو، ولذلك كان يوجد عداء شديد من تركيا تجاه الدولة المصرية؛ كي لا تستخرج مصر غاز المتوسط، ولذلك اتبعت أمريكا سياسة الضغط بالأزمة الاقتصادية، كما أسماها المستشار الأمريكي للأمن القومي الأسبق ” بريجينكسي” في كتابة “الاستراتيجية الأمريكية في القرن الحادي والعشرون” معلنًا إدارة أمريكا للعالم بالأزمات؛ للإبقاء على الهيمنة، وقد رفعت سعر الفائدة من صفر إلى 5%5,؛ مما يؤثر على اقتصادات الدول الناشئة، وخلق أزمات بتلك الدول من أجل بسط نفوذها السياسي. وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر، انضمت مصر إلى تجمع البريكس، وهو تجمع اقتصادي عالمي، من خلال تبنيها لاستراتيجية الأولويات، ورفع كفاءة البنية التحتية ( الطرق والكباري وشبكات الكهرباء)، في عالم الممرات العالمية، واستطاعت مصر أن تكون ممر للثلاث قارات إفريقيا وأوروبا واّسيا.
وقد أدركت تركيا مؤخرًا أنها تدور في الفلك الأمريكي، ووصل التضخم فيها – نسبة غير معلنة رسميًا للشعب التركي- لأكثر من 82%، بالإضافة إلى الضغوط الأمريكية التي تمارس عليها، ولذلك تسعى تركيا إلى الخروج من التبعية الأمريكية، مثلما تبنت مصر استراتيجية الندية بدلًا من التبعية الأمريكية منذ عام 2014م؛ للعمل على التنمية من أجل الشعب المصري، وليس من أجل تحقيق مصالح الدول الكبرى.
وعن الأوضاع في غزة، فلا تسوية للمشكلة إلا من خلال البوابة المصرية التي استضافت  الأمين العام للأمم المتحدة، رئيس المخابرات الأمريكية، رئيس الموساد الإسرائيلي، رئيس الوزراء القطري، والرئيس التركي.
لكن ماذا حدث يوم 7 أكتوبر 2023؟ فعلينا أن نعود إلى البصمة التاريخية، والتي تدور حول الموقع الجغرافي الذي يربط بين مصر وقطاع غزة التي تمثل الشمال الشرقي لمصر وتربطها مسافة 11كيلومتر، وتقع جنوب فلسطين، يكمن أهمية القطاع في كونه أرض شريطية على الساحل بطول 41 كيلومتر، ومساحتها 365 كيلومتر، وتعتبر غزة مفتاح الغزوات منذ قديم الأزل، وتعد منطقة لوجيستية هامة، كما تحتوي على ثلث سكان فلسطين بحوالي 2 مليون و300 ألف نسمة. لقد كانت مصر قبيل 7 أكتوبر تمد فلسطين بحوالي 90% من احتياجتها اليومية حيث كانت بمثابة شريان الحياة لغزة، بالإضافة إلى أن القطاع كان يعتبر شبه مستقل منذ الانسحاب الإسرائيلي منه عام 2005م، ولكن استولت عليه حركة حماس بدعم من إيران عام 2006م.
عقب توغل “محمد علي” إبان القرن 19 الميلادي في اسيا، ووصوله بجيوشه إلى الآستانة، وتوجهه الى القارة الأوروبية، مما يهدد النفوذ البريطاني والفرنسي، وجه القائم بالأعمال البريطاني الخارجية البريطانية إلى ضرورة وجود دولة حاجزة، وتم تصفية محمد علي.
إن وجود إسرائيل يعود إلى الحرب العالمية الأولى 1914م، حيث قامت بتهجير جميع اليهود من شتى الدول العالم إلى فلسطين على نفقة بريطانيا، والتي تبنت إنشاء الدولة الإسرائيلية؛ لأن تكون دولة حاجزة، وخلق مجتمع قائم على الصراع، ويفصل بين الدول العربية الواقعة في الأراضي الإفريقية والأراضي الآسيوية، وأصدرت بريطانيا ” وعد بلفور” عام 1917م . لقد استمر تهجير اليهود إلى فلسطين – التي كانت تحت الاحتلال الإنجليزي- حتى قيام الحرب العالمية الثانية. وفي مايو 1948م، انسحبت بريطانيا من فلسطين تاركة الأسلحة والعتاد والمعدات لإسرائيل؛ مما أدلى إلى تفوقها في حرب تحرير فلسطين عام 1948م، التي كانت بقيادة جيش مصر، وشارك فيها الرئيس الراحل ” جمال عبد الناصر”، ورغم الهزيمة إلا أن باتت غزة تحت حكم الإدارة المصرية منذ عام 1984م، وحتى عام 1967م، عندما اجتاجت إسرائيل كلًا من الأراضي: الفلطسينية والمصرية والسورية. وقد بدأ الاعتراف بوجود إسرائيل عقب توقيع معاهدة السلام مع مصر- استرجاع سيناء وتحريرها 6 أكتوبر 1973-، ثم اعترفت فلسطين عام 1993م، بإسرائيل إبان معاهدة أوسلو، وأعلنت انتهاجها للدبلوماسية بدلًا من المقاومة.
لقد تبنت أمريكا شؤون دولة إسرائيل عقب تراجع بريطانيا، وأصبحت جزء لا يتجزأ منها، بل باتت قاعدة عسكرية لوجيستية تنطلق منها أمريكا؛ للسيطرة على البحر المتوسط، دول الخليج، والبترول في الخليج العربي. ومن هنا نستنتج أن أمريكا هي الحامية والمتحكمة في إسرائيل، وقد وضعتها؛ من أجل إيجاد صراع لا ينتهي، ففي عام 2019م، أنشأت أمريكا إدارة تدير حركة البيع والشراء الإسرائيلية، فإسرائيل دولة فقيرة لا تمتلك بترول أو غاز، كذلك ليس لديها إمكانات للبحث العلمي، ورغم ذلك أقحمتها أمريكا في الدول الرباعية للبحث العلمي بجانب بريطانيا واليابان، وتغدق الدول الثلاث عليها بالتكنولوجيا، حتى أصبحت منفذ بيع للمنتجات الأمريكية.
إن سياسة التهجير التي تنتهجها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني ليست وليدة أحداث 7 أكتوبر، لكنها تعود إلى عام 1948 حين هجرت 750 ألف فلسطيني، وفي 1976 قامت أيضًا بتهجير 350 ألف فلسطيني، وهم اليوم يمثلوا نحو 8 مليون فلسطينى على مستوى العالم، تتولى منظمة الأونروا مسئولية 2 مليون منهم فقط.
إذًا، فالحرب الحالية على قطاع غزة إنما يهدف إلى تصفية المشكلة الفلسطينية، فأساس تلك الحرب دافع اقتصادي، حيث تسعى إسرائيل إلى الاستحواذ على الغاز الكامن في البحر المتوسط أمام ساحل قطاع غزة، بل تأمين استخراجه بعيدًا عن حماس كحركة مقاومة موالية لإيران، ونستنتج من ذلك أن ما حدث في 7 أكتوبر 2023م، إنما هو صراع دولي على الأراضي الفلسطينية.
إن ما يحدث في غزة هو إبادة جماعية للشعب الفلسطيني، ولقد سقط كلًا من: الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وظهرت تبعيتهم لأمريكا، بل الأكثر من ذلك تأكدت القوة الهشة لإسرائيل‘ لكن حماية أمريكا لها هي التي تمنع من إلقائها في البحر – كما كان يوصفها جمال عبد الناصر-.
وعلى الشعب المصري أن يدرك أن قوتنا الذاتية هي الحامية لحدودنا ولثرواتنا، وعلى الشعب المصري أن يدعم قيادته، ويقف معها ضد العدوان الاقتصادي الغاشم عليها، ويدرك أن تلك الأزمة الاقتصادية التي تمر بها، هي من أجل سلب الإرادة السياسية من مصر؛ من أجل بسط النفوذ على مصر وسلب ثرواتها، وعلى كل مواطن مصري عاشق لترابها، أن يتيقن، أن قوة الدولة المصرية تبدأ من قوة المواطن المصري الداعم لدولته.

قد يعجبك أيضًأ

Open chat
1
Scan the code
تواصل معنا