اليمن
بقلم:
د. عبدالقوي ابراهيم الاحمدي
……
في ظل التحوّلات العميقة التي يفرضها العصر الرقمي على مؤسّسات التعليم العالي، تتطلّب المنافسة والنجاح صياغة استراتيجية متكاملة توسّع من آفاق الإيرادات وتُعظم الاستفادة من البيانات والمعلومات، من خلال صياغة نموذج تشغيلي مستدام للجامعات في العصر الرقمي يعتمد على ثلاثة محاور رئيسية:
_ تنويع الإيرادات عبر تبنّي نماذج رقمية مبتكرة وشراكات استثمارية واستغلال الأصول القائمة.
_ الاستثمار في البيانات بإنشاء بنى تحتية لحوكمة البيانات وتشغيل تحليلات تنبؤية وذكاء اصطناعي لتعزيز جذب الطلبة وعمليات الدعم الأكاديمي.
_ الحوكمة المركزية والمواءمة الدولية عبر تشكيل مكتب استراتيجي موحّد، واستقطاب مجالس استشارية خارجية، والتوافق مع معايير الاستدامة العالمية.
وفيما يلي توضيح موجز لكل منها:
أولا: تنويع مصادر الإيرادات
1. الأنماط الرقمية والتعليم المدمج
فقد أظهرت دراسات UpCEA أهمية “نماذج التعلم المدمج” والتعليم المستمر عبر الإنترنت كقنوات دخل مستدامة، حيث ارتفعت عائدات هذه الجامعات بنحو 18% في المتوسط بعد التحوّل الرقمي لمنصاتها التعليمية ، كما و يوصي تقرير Inside Higher Ed بإقامة فرق عمل متخصّصة لاستكشاف الفرص الرقمية وتطوير مبادرات فريدة بعيدًا عن الرسوم الدراسية التقليدية، مُسهمًا في خفض الاعتماد على التمويل الحكومي بنسبة تصل إلى 12% ، وفي ذات السياق تعزز منصّات التعليم المفتوح الضخم (MOOCs) فرص التصدير المعرفي عالميًا؛ فقد نما السوق من 3.9 إلى 20.8 مليار دولار (2018–2023)، بمعدل نمو سنوي مركب 40.1%، دالًا على الإمكانات الربحية الكبيرة للبرامج الرقمية واسعة النطاق.
2. الشراكات البحثية وحاضنات الأعمال
حيث تشير أبحاث Harvard Business School إلى أن مراكز البحث المشتركة بين الجامعات والصناعة تولّد عوائد إضافية تتراوح بين 8–12% من ربح براءات الاختراع سالفة التسجيل.
كما وتُعتبر حاضنات الأعمال الجامعية منصة فاعلة لحجز حصصٍ من رأس مال المشاريع الناشئة بنسبة 5–10%، ما يضمن دخلًا متكررًا يعتمد على نجاح هذه الشركات القائمة على البحث الجامعي.
3. استثمار الأصول والخدمات المساندة
فقد وجدت دراسة جامعة جورجيا أن تنويع الموارد من خلال “المرافق المساعدة” كالمختبرات والبطاقات الجامعية رفع صافي العوائد 9% دون زيادة في الإنفاق الرأسمالي. وتُعدّ مشاريع الطاقة المتجددة (كالألواح الشمسية) نموذجًا ناجحًا؛ ففي جامعة بيتسبرغ وفّر بيع الفائض الكهربائي 1.5 مليون دولار سنويًا، مع معدل عائد داخلي IRR يُقدّر بـ12% على مدى 20 عامًا.
4. صندوق المنصات والتحالفات
حيث تكشف تقارير Bain & Company عن خمسة دعائم لتنويع الدخل، من ضمنها “استغلال الأصول والخدمات” التي تحقق ربع العائد الإضافي المستهدف للمؤسّسة، في سياق دول الخليج. كما شهدت هدايا المنظمات الخيرية للجامعات الأمريكية نموًا بنسبة 21% في 2024 وفق دراسة NACUBO، مما يُبرز أهمية العلاقات الاستباقية مع المانحين والمؤسسات الداعمة.
ثانيا: التحوّل البياناتي واستثمار الذكاء الاصطناعي
1. تأسيس إطار حوكمة البيانات
تعتبر حوكمة البيانات هي العمود الفقري لاستراتيجية التحليلات؛ إذ تضع القواعد لحماية الخصوصية وضمان الدقة والامتثال التنظيمي، مما يعزّز الثقة وفعالية اتخاذ القرار. وعلى ذات السياق يشدّد Ellucian على الحاجة إلى آليات تطبيق صارمة للحوكمة، تشمل تحديد الأدوار وتدريب المستخدمين وصيانة مستمرة للبنية التحتية للبيانات.
2. التحليلات التنبؤية لجذب واحتفاظ الطلبة
حيث تُظهر نتائج EDUCAUSE أن دمج الذكاء الاصطناعي مع بيانات إدارة التعلم يمكّن من التنبؤ بأداء الطلبة بدقة تتجاوز 90%، ما يقلّص معدّلات الانسحاب عبر التدخل المبكر . كما تساعد نماذج التحليل التنبؤية على تحديد المرشحين الأكثر احتمالًا للالتحاق، مما يزيد فعالية الإنفاق التسويقي بنسبة تزيد عن 85% ويخفض تكاليف الاستقطاب بنحو 20% .
3. تحليلات الخدمات الأكاديمية والإنذار المبكر
اذ يقترح عرض Ellucian Data Management & Analytics Services الاستفادة من منصّة “البيانات كخدمة” لدعم قرارات القبول والتسجيل، ورفع معدلات القبول حتى 15% عبر توصيات قائمة على البيانات.
كما تُثبت الدراسات الأكاديمية قدرة خوارزميات الإنذار المبكر على التنبؤ بمخاطر التسرب مبكرًا، مما يساهم في تحسين معدّل الاحتفاظ بعد العام الأول بنحو 18% للطلاب المستفيدين من دعومات منتظمة.
4. إقامة دور CDO وتطوير بيئة تحليلية
وهنا ينصح كتاب “Analytics in Higher Education” بتعيين رئيس بيانات (CDO) لإدارة مكتب إدارة البيانات وتنسيق المبادرات التحليلية عبر المؤسسة، مما يعزّز تحوّل البيانات إلى قيمة استراتيجية.
ثالثا: الحوكمة المركزية والتكامل الدولي
1. مكتب استراتيجي موحّد
حيث تشدّد دراسات Inside Higher Ed وModern Campus على إنشاء وحدة مركزية لإدارة الإيرادات والبيانات تعمل كنقطة التقاء بين فرق التسويق والشراكات والتحليلات، لضمان انسجام الجهود وتسريع سير العمليات .
2. مجالس استشارية خارجية
اذ يُعدّ إشراك خبراء من القطاعين العام والخاص في مجالس استشارية وسيلة لتعزيز الشفافية ومراجعة الاستراتيجيات موضوعيًّا وضمان توافقها مع أفضل الممارسات العالمية.
3. مواءمة السياسات مع المعايير الدولية
حيث تلزم “الاتفاقية العالمية للتعليم العالي” لليونسكو الجامعات بمبادئ الاعتراف العادل بشهادات التعليم العالي ودعم التعلم عن بُعد، مع دخولها حيز التنفيذ في مارس 2023 بعد تصديق 38 دولة . كما و يدعم برنامج اليونسكو للتعليم من أجل الاستدامة (ESD for 2030) تطوير السياسات وأساليب التعلم للتعامل مع قضايا المناخ والتنمية الشاملة، موفّرًا إطارًا للمشاركة والشراكات على مستوى عالمي. وتؤكد توصيات IESALC–يونسكو على دمج أهداف التنمية المستدامة في استراتيجيات التعليم العالي لتعزيز الأدوار المجتمعية للجامعات والمساهمة في تحقيق المدن والمجتمعات المستدامة.
وختاما فانه و باعتماد هذه المعادلات المعمّقة في تنويع الإيرادات واستثمار البيانات، واتباع إطار حوكمة مركزيّ موحّد، ستتمكّن الجامعات من بناء نموذج تشغيلي رشيق، قادر على التكيّف السريع مع متغيرات العصر الرقمي، وتحقيق التفوّق الأكاديمي والابتكار المستدام.