مصر
بقلم فرح هشام
الكِنانة ، وكما قال الشاعر المصري حافظ إبراهيم في قصيدته مصر تتحدث عن نفسها :
أنا إن قدر الإلهُ مماتيِّ لن ترى الشرقَ يرفعُ الرأسَ بعديِّ
أنا تاج العلاءِ في مفرقِ الشرقِ ، وَ دُراتهُ فرائدَ عقديِّ
في قلب العالم ، حيث يلتقي التاريخ بالحضارة، تنتصب مصر شامخة، تحمل بين جنباتها إرثًا ضاربًا في عمق الزمان لا يُضاهيه إرث آخر . أرض مرّت عليها حضارات متعاقبة وديانات متباينة ، وترك كل عصر بصمته، فغدت مصر كتابًا مفتوحًا تقرؤه الأجيال بلغات مختلفة، ويتوحّد فيه المعنى: العظمة والخلود .
الحضارة المصرية القديمة، بما فيها من دهشة وسحر، لا تزال تبهر العقول حتى اليوم. م ن الأهرامات وأبو الهول إلى معابد الكرنك والأقصر، تقف آثارها شاهدة على تفوق علمي وروحي سابق لعصره . وقد جاء المتحف المصري الكبير ، الواقع بالقرب من الجيزة ، ليكون أيقونة عالمية تُجسّد هذا المجد، وليحتضن آلاف القطع الأثرية ، وعلى رأسها المجموعة الكاملة للملك ” توت عنخ آمون ” ويُقدَّم بأسلوب متقدم يربط الزائر بالماضي عبر تكنولوجيا الحاضر .
لكن مصر ليست فرعونية فقط
؛ فهي أيضًا وطن للكنيسة الأولى ومهد للقديسين والرهبان. فـ” مصر القديمة ” تكتنز كنائس أثرية كـ ” الكنيسة المعلقة “
” أبو سرجة “، وكنيسة ” مارجرجس ” تشهد على جلال الحقبة القبطية ، وروحها النقية التي واجهت الألم بالإيمان وسطرت فصلًا من النور في تاريخ الديانات السماوية. كما وُهبنا ” جبل التجلي ” جبل الطور بسيناء ، الأرض الوحيدة التي كلم الله فيها كليمهُ ” سيدنا موسى “
وفي فجر الإسلام، أشرقت شمس جديدة على أرض الكنانة، فبُني أول مسجد في إفريقيا وهو مسجد “عمرو بن العاص ” ثم تلته المئات من المساجد والمدارس، من “مسجد ابن طولون ” إلى ” السلطان حسن ” و ” الرفاعي ” لتكتمل ملامح الجمال الإسلامي في مآذن تعانق السماء ، وخطوط هندسية تعكس عظمة الفن وروح الإيمان .
وليس بعيدًا عن تلك المعالم ، يسير الزائر في شارع المعز وكأنه يعبر الزمن
؛ يلامس جدرانًا نطقت بالعقيدة والعدل والسلطان ، وكأن كل حجر فيها يحمل ذاكرة قرون مضت لم تغب فيها مصر عن موقع القيادة الروحية والثقافية . وبين طيات الزمان ، لا تبهت الآثار القبطية ، من ” الكنائس المصرية الأرثوذكسية ” إلى ” دير الأنبا شنودة ” حيث يخفت الصخب وتعلو تراتيل الخلود ، وتحكي الجدران عن قلوب صامدة في وجه الألم .
ويمتد المجد إلى العصر الإسلامي ، في ” الجامع الأزهر “
و” مسجد السلطان حسن ” و ” باب زويلة “، و” قلعة صلاح الدين ” التي ما زالت جدرانها تستنشق رائحة المعارك والانتصارات .
إنها مصر … كتاب مفتوح على الزمن ، منقوش على حروفه عبير الأبد. تنطق فيه كل الأحجار ، من تمثال نفرتيتي إلى نقوش الدير البحري ، ومن صحف البردي إلى زخرفات المآذن ، ومن بسمات الأيقونات إلى جلال الملوك في المتحف الكبير .
إنها مصر … حين يُقال حضارة، يُقال اسمها.
وحين يُقال مجد خالد، يُستحضر تاريخها .
تلك الأرض وتلك الآثار تحثك عزيزي على أن تقف أمام العالم آسرة وتقول : أنا مصري ..: