.. ” كوندَامُن كوندِمْنِي” …

 

كتب / د .  محمد المؤيد

“مين اللي قتل القاتل وخلاه يقتل، لكل فعل دافع يجب محاكمة علانية.”
… هذه العبارة تحمل في طياتها إشكاليات عميقة تتعلق بالعدالة والجريمة والمسؤولية الاجتماعية. فهي لا تكتفي بتوجيه الاتهام للفاعل المباشر، بل تمتد بإصبع الاتهام إلى البيئة المحيطة، إلى السياق الاجتماعي، والنفسي، والسياسي الذي سمح للجريمة بأن تنمو كبذرة مسمومة في تربة خصبة.

إن فكرة “مين اللي قتل القاتل” تتجاوز الفعل الجنائي لتناقش المسؤولية التشاركية. هل المجتمع الذي فشل في توفير فرص عمل، أو نظام تعليمي منضبط وفاعل، أو أسر غير مفككة، أو إعلام لا يروّج للعنف، أو القضاء على فقر مدقع، أو انهاء التمييز العنصري – هل كل هذه العوامل مجتمعة قد تكون شريكا غير مباشر في صنع المجرم؟ هل يمكننا، بحق، أن نحاكم شخصا دون محاكمة الظروف التي صاغت خياراته، وربما حصرتها في نفق مظلم لم يجد فيه سوى العنف مخرجا؟

من ناحية أخرى، تأتي الجملة لتؤكد أن “لكل فعل دافع يجب محاكمة علانية”. هنا يكمن أحد أسس العدالة النيابية: الشفافية. فمحاكمة الدوافع علناً ليست تبرئة للفاعل، بل هي محاولة لفهم الظاهرة الأجرامية من جذورها. لماذا أقدم هذا الإنسان على فعلته؟ هل كان بدافع الانتقام من ظلم؟ أم بدافع الكراهية الموروثة؟ أم بدافع اليأس والقنوط؟ محاكمة هذه الدوافع علناً تخدم أغراضا متعددة: فهي تطمئن المجتمع بأن العدالة تبحث عن الحقيقة الكاملة، وتمنع تحويل القضية إلى أسطورة أو فزاعة، وتكشف الخروقات النظامية التي قد تكون سبباً جوهرياً في الجريمة.
…. في النهاية، العبارة تدعونا إلى تبني عدالة أكثر تعقّلاً وحكمة، عدالة لا تقف عند “من” فعل، بل تمتد إلى “لماذا” فعل، و”كيف” تسنى له ذلك. إنها دعوة لعدم الاكتفاء بإسقاط العقاب على الفرد، بل للنظر في المرايا المحيطة التي قد تعكس تشوهاتنا جميعاً. ففي محاكمة الدوافع علناً، نحن لا نحاكم المجرم فحسب، بل نحاكم أنفسنا كمجتمع: إلى أي درجة كنا شركاء في الصمت، أو الإهمال، أو الظلم الذي قد يولد في لحظة حاسمة، قاتلاً؟
وكيف لنا أن نبني سياجاً اجتماعياً يمنع تحول الدوافع المظلمة إلى أفعال مميتة؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، بل هي صميم بناء عدالة حقيقية تمنع الجريمة من جذورها، ولا تكتفي فقط بقطع ثمارها المسمومة.

#حكايات_مؤيد

موضوعات ذات صلة