الإبراهيمية… دين بلا وحي ومشروع على مقاس الاحتلال

 

بقلم  / إيمان حاكمهم

لم يظهر ما يُسمّى «الدين الإبراهيمي» فجأة، ولم يولد من فراغ فكري أو ديني، بل خرج إلى العلن كنتاج مسار طويل من التوظيف السياسي للدين، بدأ ناعمًا تحت عناوين الحوار والتعايش، وانتهى صريحًا عند شرعنة الاحتلال وإعادة تعريف الصراع في الشرق الأوسط.
دعونا نكون واضحين:
ما يجري ليس حوار أديان، ولا مشروع سلام بريئًا، بل إعادة صياغة للمقدّس لخدمة واقع سياسي ظالم.

من توصيف ديني إلى أيديولوجيا سياسية
صحيح أن مصطلح «الديانات الإبراهيمية» معروف أكاديميًا، ويشير إلى اليهودية والمسيحية والإسلام بوصفها أديانًا تنتمي رمزيًا إلى النبي إبراهيم عليه السلام.
لكن ما يُطرح اليوم ليس هذا المفهوم.
نحن أمام نسخة جديدة من «الإبراهيمية»:
تتجاوز العقائد،
تذيب الفوارق،
وتتعمد الغموض،
لتصبح أداة سياسية لا توصيفًا لاهوتيًا.

من المؤسس الحقيقي؟
لا يوجد نبي، ولا كتاب، ولا وحي.
لكن توجد مراكز أبحاث، ومؤسسات ضغط، وتحالفات سياسية.
الوقائع تشير بوضوح إلى أن إسرائيل هي المستفيد الأول والأخير من تحويل الإبراهيمية إلى إطار جامع، يخرجها من موقع «قوة احتلال» إلى موقع «شريك ديني وتاريخي».
هنا يصبح الصراع:
ليس احتلال أرض،
بل خلافًا بين “أبناء إبراهيم “،وتتحول فلسطين من قضية سياسية إلى تفصيل رمزي.

الإبراهيمية وملكية الأرض
الربط بين إبراهيم و«الأرض الموعودة» ركيزة قديمة في الفكر الصهيوني. الجديد اليوم هو تغليف هذا الربط بلغة السلام.الفكرة الخطيرة التي يجري تسويقها:
إذا كنا جميعًا أبناء إبراهيم، فلماذا الاعتراض على إسرائيل؟
بهذه الصيغة، يُجرد الفلسطيني من حقه القانوني والتاريخي، ويُطلب منه القبول بواقع مفروض باسم “الذاكرة المشتركة” .

إدارة أوباما: نقل الفكرة من الهامش إلى المركز
خلال فترة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، بدأ الخطاب الإبراهيمي ينتقل من التنظير إلى التبني غير المعلن.في تلك المرحلة:
تم تشجيع خطاب ديني عابر للهويات،
دعم منتديات سلام ذات طابع ديني–سياسي،
إعادة توصيف الصراع العربي–الإسرائيلي بوصفه «نزاعًا تاريخيًا» لا قضية احتلال.
لم يُعلن دين جديد، لكن أُعدّت الأرضية الفكرية لما هو أخطر.

منتديات السلام العالمي: الوجه الناعم
منتديات السلام العالمية لعبت دورًا محوريًا في تطبيع المصطلح الإبراهيمي.
لم تطالب بإنهاء الاحتلال،
لم تتحدث عن الجرائم،بل ركزت على «القيم المشتركة» منفصلة عن العدالة.وهنا تكمن الخطورة:
سلام بلا حق… هو استسلام مُزيَّن.

الاتفاقات الإبراهيمية: لحظة كشف المشروع
عند توقيع الاتفاقات الإبراهيمية عام 2020، سقط القناع، اختيار الاسم لم يكن بريئًا:
شرعنه سياسية بغطاء ديني،تحويل إسرائيل إلى جزء «روحي» من المنطقة،إنهاء مركزية القضية الفلسطينية لغويًا ورمزيًا.لم تُوقّع اتفاقات سلام، بل وُقّعت شهادة وفاة لمعنى الصراع.

الصلاة المشتركة: تذويب المقدّس والحق
الصلاة المشتركة هي أخطر أدوات المشروع الإبراهيمي.فحين تُوحّد الطقوس:يُوحّد الخطاب،تُمحى الفوارق،ويُختزل الاحتلال في صورة رمزية.الصلاة هنا ليست عبادة، بل رسالة سياسية تقول إن الخلاف انتهى، حتى لو كانت الأرض ما زالت محتلة.

لماذا كل هذا الآن؟
لأن المنطقة تُعاد صياغتها.ولأن إسرائيل تريد سلامًا لا يكلّفها شيئًا.ولأن العدالة تُعدّ عبئًا، بينما الرمزية أرخص وأسهل.
الدين في هذا المشروع ليس غاية، بل وسيلة.

الدين الإبراهيمي:ليس دينًا سماويًا،ولا مشروع سلام،ولا حوارًا نزيهًا.إنه أيديولوجيا سياسية صهيونية بغطاء ديني دولي، هدفها:امتلاك الأرض،وتطبيع الاحتلال،وتجريم الرفض باسم التسامح.
والحقيقة التي لا يريدون قولها:لا سلام بلا عدالة،ولا عدالة بلا إنهاء الاحتلال،ولا حق يُستعاد بالصلاة مع من سرقه.

التاريخ لا يُكتب بالرموز…
بل بمن يملك الأرض، ومن يملك الشجاعة ليقول: لا.

قد يعجبك أيضًأ