حين يُزوَّر الماضي.. معارك الذاكرة في زمن السرعة

 


كتبت إيمان حاكمهم

لم يعد تزييف التاريخ فعلًا هامشيًا تمارسه سلطات قمعية في الخفاء، بل تحوّل في زمن المعلومات السريعة إلى ممارسة يومية علنية، تُدار عبر الشاشات الصغيرة وتُمرَّر في ثوانٍ، لتعيد تشكيل الوعي الجمعي دون مقاومة تُذكر. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض أو السياسة، بل باتت معركة على الذاكرة ذاتها: ماذا نتذكر؟ وكيف؟ ولمصلحة من؟
في الماضي، كان تزوير الوقائع يحتاج إلى جهد مؤسسي ووقت طويل حتى يستقر في الأذهان، أما اليوم فيكفي مقطع فيديو مبتور، أو صورة بلا سياق، أو منشور يحمل نبرة واثقة، ليُعاد تدوير الأكاذيب حتى تتحول إلى “حقائق” لدى قطاعات واسعة من الجمهور. سرعة التداول منحت المعلومة ــ صحيحة كانت أم زائفة ــ قوة تفوق قوة التحقق، وجعلت الانفعال يسبق الفهم، والانحياز يسبق المعرفة.
الأخطر أن تزييف التاريخ لا يعتمد دائمًا على الكذب الصريح، بل على الانتقاء الممنهج. تُقتطع الأحداث من سياقها، تُختزل الشخصيات في مشهد واحد، وتُعاد قراءة الماضي بعين الحاضر، فتتحول الوقائع المركبة إلى حكايات مسطّحة تخدم سرديات جاهزة. وهنا، لا يُمحى التاريخ، بل يُعاد ترتيبه بما يتوافق مع مصالح سياسية أو أيديولوجية أو حتى تجارية.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت الدور الأكبر في هذه المعركة. فقد كسرت احتكار الرواية، لكنها في المقابل ألغت الوسيط النقدي. لم يعد المؤرخ أو الباحث أو الصحفي هو من يقدّم السرد المدعوم بالوثائق، بل المؤثّر الأسرع انتشارًا. ومع غياب التعليم النقدي، صار الوعي الجمعي عرضة للتشكيل اللحظي، يتحرك مع “الترند” أكثر مما يستند إلى المعرفة.
في منطقتنا العربية، تتضاعف خطورة تزييف التاريخ بسبب هشاشة الذاكرة العامة الناتجة عن تراكم الصدمات والهزائم والانقطاعات السياسية. فحين لا يُحسم الماضي معرفيًا، يُستدعى دائمًا كسلاح في صراعات الحاضر. نرى ذلك في إعادة تأويل الثورات، وتشويه حركات التحرر، وتبييض الاستعمار أحيانًا، أو شيطنة رموز وطنية وفق ميزان اللحظة الراهنة.
معركة الذاكرة ليست ترفًا فكريًا، بل مسألة بقاء للوعي. فالشعوب التي تفقد روايتها عن نفسها تصبح سهلة التوجيه، قابلة لإعادة البرمجة، عاجزة عن بناء مستقبل متماسك. ومن دون ذاكرة نقدية، يتحول التاريخ إلى مادة خام في يد من يملك المنصة الأعلى صوتًا، لا الحجة الأقوى.
الدفاع عن التاريخ لا يعني تقديسه أو تجميده، بل إخضاعه للفحص العلمي والنقاش المفتوح، بعيدًا عن الشعبوية الرقمية. وهو دور لا يخص المؤرخين وحدهم، بل الإعلام والتعليم والمؤسسات الثقافية، وكل من يملك منبرًا عامًا.
في زمن السرعة، تصبح مقاومة التزييف فعلًا بطيئًا بطبيعته، لكنه ضروري. فاستعادة الوعي تبدأ من طرح السؤال البسيط الذي نكاد ننساه: هل ما نراه هو الحقيقة كاملة، أم مجرد رواية صاخبة أخرى؟

قد يعجبك أيضًأ