الجهل بلا خجل… قراءة في زمن السطحية

 

بقلم إيمان حاكمهم

لم يعد الجهل عيبًا يُوارى، ولا السطحية نقصًا يستدعي الخجل، بل تحوّلا في السنوات الأخيرة إلى حالة “مقبولة اجتماعيًا”، بل وربما مرغوبة أحيانًا. في مشهد ثقافي وإعلامي مضطرب، أصبح الحديث بلا معرفة، والرأي بلا قراءة، والانتشار بلا مضمون، جزءًا من المشهد اليومي الذي نعايشه دون مقاومة حقيقية.

لقد جرى التطبيع مع السطحية بهدوء، حتى صارت البساطة الزائفة تُقدَّم على أنها عمق، والاختصار المخل على أنه ذكاء، والجهل المتفاخر على أنه خفة ظل أو “روح العصر”. لم يعد مطلوبًا أن تعرف بقدر ما هو مطلوب أن تتكلم، ولا أن تفهم بقدر ما هو مهم أن تظهر.

وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بدور محوري في هذه الظاهرة؛ حيث أُعيد تعريف القيمة وفق عدد المشاهدات لا جودة المحتوى، ووفق سرعة الانتشار لا صدق الفكرة. صار الأكثر صخبًا هو الأكثر حضورًا، بينما تراجع أصحاب المعرفة إلى الصفوف الخلفية، لأن العمق لا يُجيد الصراخ، والعقل لا ينافس الضجيج.

الأخطر أن الجهل لم يعد حالة فردية، بل تحوّل إلى موضة. يُقدَّم في ثوب واثق، بنبرة ساخرة، وبجمل قصيرة جذابة، حتى بات من يُحاول الشرح أو التحليل يُتهم بالتعقيد أو “التفلسف”. أصبح السؤال تهمة، والبحث رفاهية، والتفكير النقدي عبئًا غير مرحّب به.

في هذا المناخ، تراجعت هيبة المعرفة، وتشوّهت صورة المثقف، وصار صاحب الرأي السريع أعلى شأنًا من صاحب الفكرة المتأنية. ومع الوقت، تتآكل المساحات التي كان يُفترض أن تحتضن الحوار الجاد، لصالح محتوى خفيف لا يترك أثرًا ولا يصنع وعيًا.

لكن المشكلة لا تقف عند حدود الثقافة فقط، بل تمتد إلى الوعي العام وصناعة القرار. فحين يُدار النقاش العام بعقلية سطحية، تصبح القضايا المصيرية مادة للتهوين أو السخرية، ويتحول الجهل من خطر يجب مقاومته إلى حالة يتم التعايش معها، بل وتجميلها.

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس انتشار السطحية، بل الاعتياد عليها. فالاعتياد يقتل الحس النقدي، ويجعل الرداءة مألوفة، ويمنح الجهل شرعية لم يكن يحلم بها. وهنا تكمن المعركة الحقيقية: معركة الدفاع عن المعنى، وعن قيمة السؤال، وعن حق العقل في أن يُحترم.

ربما لا يمكن إيقاف الموجة بسهولة، لكن يمكن على الأقل ألا نكون جزءًا منها. يمكننا أن نُصرّ على الفهم، وعلى التعمق، وعلى أن تكون الكلمة مسؤولة لا مستهلكة. فالمعرفة لم تفقد قيمتها، لكنها تنتظر من يعيد لها مكانتها في زمن قرر فيه كثيرون أن يكون الجهل… أنيقًا.

قد يعجبك أيضًأ