لم تكن وثائق جيفري إبستين مجرد كشف قانوني متأخر، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة العالم الغربي على مواجهة نفسه. فالقضية التي بدأت كملف جنائي حول استغلال قاصرات، تحولت تدريجيًا إلى لغز سياسي وأخلاقي، كلما ظهرت وثيقة، اتسعت دائرة الصمت.
اللافت أن كثيرًا مما كُشف لم يكن جديدًا على الصحافة الأجنبية. صحف مثل The Guardian وThe New York Times وDer Spiegel تحدثت منذ سنوات عن جزيرة إبستين الخاصة، ليس فقط كمسرح للجريمة، بل كنقطة التقاء بين المال والنفوذ والحصانة غير المعلنة. الجديد اليوم ليس الأسماء، بل الاعتراف الضمني بأن التواطؤ كان أوسع مما أُريد له أن يظهر.
في التغطية العربية، غالبًا ما جرى اختزال القضية في «فضيحة أخلاقية»، بينما ركزت الصحافة الأجنبية على سؤال أكثر خطورة: كيف فشل النظام السياسي والقضائي في التعامل مع شخص كان معروفًا، ومراقَبًا، ومع ذلك تُرك حرًا لسنوات؟ تقارير أجنبية أشارت بوضوح إلى أن إبستين لم يكن مجرد رجل ثري منحرف، بل حلقة وصل داخل شبكة نفوذ عابرة للسياسة والحزبية.
الأكثر إثارة للقلق، ما نشرته بعض الصحف الاستقصائية عن تعامل المؤسسات الأمنية مع ملف الجزيرة. فوفقًا لتقارير غربية، كانت هناك معلومات كافية لفتح تحقيقات مبكرة، لكن الحسابات السياسية، والخوف من «الأضرار الجانبية»، أبطأت كل شيء. العدالة هنا لم تكن عمياء، بل مترددة.
وثائق إبستين كشفت أيضًا فجوة خطيرة في مفهوم الشفافية الغربية. فالدول التي ترفع شعارات حقوق الإنسان لم تكن مستعدة لاختبار تلك الشعارات حين اقتربت من دوائرها الخاصة. الحديث عن حماية الضحايا جاء متأخرًا، بينما كان الحرص الأكبر منصبًا على حماية المؤسسات من الفضيحة.
السياسة في هذه القضية لم تتجلى في التصريحات، بل في الصمت. صمت مسؤولين سابقين، وصمت أحزاب، وصمت إعلام اختار أحيانًا التركيز على التفاصيل المثيرة، بدل الأسئلة الثقيلة: من كان يعلم؟ من غضّ الطرف؟ ولماذا أُغلقت الأبواب مبكرًا؟
قضية إبستين لم تنتهِ بموته، ولن تُغلق بالوثائق. لأنها لم تكن عن شخص، بل عن نظام يفضل احتواء الفضيحة على مواجهة جذورها. والدرس الأهم أن الديمقراطية لا تُقاس بعدد الوثائق المنشورة، بل بقدرة الدولة على محاسبة نفسها، حتى عندما تكون الحقيقة محرجة.
وفي النهاية، تبقى جزيرة إبستين رمزًا لا لمأساة فردية فقط، بل لنظام عالمي يعرف الكثير… ويقول القليل.