خطاب الرئيس النمساوي وانتقاداته غير المسبوقة للقوى الكبرى

 

فيينا 

هاله المغاورى 

شهدت الساحة الدبلوماسية في فيينا لحظة لافتة خرج فيها الخطاب الرسمي عن إطاره البروتوكولي المعتاد حين أستخدم الرئيس النمساوي ألكسندر فان دير بيلين لغة مباشرة وحاسمة في تقييمه لسلوك عدد من القوى الدولية الكبرى واضعًا إحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان في صدارة أولويات السياسة الخارجية النمساوية حتى عندما يتعلق الأمر بدول تُعد شريكة تاريخيًا.
تصريح فان دير بيلين بأن الولايات المتحدة «لم تعد صديقًا» لا يمكن قراءته كعبارة عابرة أو انفعال سياسي بل يعكس تحولًا محسوبًا في نبرة فيينا تجاه السياسات الدولية التي ترى أنها تنتهك القواعد القانونية والأعراف الدبلوماسية فوصف واشنطن بـ«الصديقة السابقة» يُعد كسرًا واضحًا لمحظور دبلوماسي لطالما التزمت به الدول الأوروبية في تعاملها العلني مع الحليف الأميركي

الدلالة الأبرز في الخطاب تمثلت في وضع الولايات المتحدة إلى جانب كلٍّ من روسيا وإيران في سياق واحد من حيث تجاوز القانون الدولي هذا الربط لا يهدف إلى المساواة السياسية بين هذه الدول بقدر ما يؤكد مبدأ نمساوي راسخ مفاده أن القانون الدولي لا يُطبَّق
بانتقائية ولا يمنح حصانة لأي دولة مهما كان حجمها أو نفوذها

انتقاد التهديدات الأميركية بضم غرينلاند، والتدخل في فنزويلا جاء ليعكس رفضًا نمساويًا لأي سياسات توسعية أو تدخلية تُقوّض سيادة الدول

وفي الوقت ذاته، وجّه الرئيس النمساوي انتقادًا علنيًا لإيران بسبب ما وصفه بـ«القمع الرهيب والوحشي» للاحتجاجات وذلك بحضور السفير الإيراني في رسالة دبلوماسية واضحة بأن فيينا لا تفصل بين الحوار واحترام حقوق الإنسان

كما جدد فان دير بيلين إدانته للحرب الروسية على أوكرانيا واصفًا إياها بأنها أصبحت «أكثر وحشية»، في تأكيد على موقف نمساوي ثابت يرفض إستخدام القوة لتغيير الحدود أو فرض الأمر الواقع ولم يغفل الخطاب الإشارة إلى الوضع الإنساني في غزة

حيث أكد أن السكان ما زالوا يعيشون في ظروف شديدة الخطورة حتى بعد توقف الأعمال العدائية في محاولة للحفاظ على خطاب متوازن لا يتجاهل المآسي الإنسانية أينما وُجدت

سياسيًا يحمل هذا الخطاب رسائل متعددة المستويات داخليًا يخاطب الرأي العام النمساوي المعروف بحساسيته تجاه قضايا القانون الدولي والحياد. وأوروبيًا ينسجم مع نقاش متزايد داخل الإتحاد الأوروبي حول حدود العلاقة مع الولايات المتحدة وضرورة إعادة تقييمها عندما تتعارض السياسات الأميركية مع النظام الدولي القائم على القواعد
في المحصلة لا تعلن النمسا قطيعة مع واشنطن ولا تسعى إلى تغيير تحالفاتها التقليدية لكنها ترسم خطًا أحمر أخلاقيًا وسياسيًا واضحًا الصداقة والتحالف لا يمكن أن يكونا على حساب القانون الدولي وحقوق الإنسان

وبهذا الموقف تعزز فيينا صورتها كدولة محايدة سياسيًا لكنها حاضرة أخلاقيًا وصوت نقدي هادئ في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو الاستقطاب والتصعيد.

قد يعجبك أيضًأ