مصر
كتبت نيفين
لم يعد دور الإعلام الحديث قائمًا فقط على ردود الأفعال أو الانحيازات اللحظية، بل أصبح مسؤولية وعيٍ قادرة على صناعة التوازن بين حماية الهوية الوطنية، والحفاظ على خطاب حضاري يرسّخ التقارب بين الشعوب.
وفي ظل الجدل الذي أثارته بعض الأعمال الدرامية العربية الحديثة، ومنها أسد، تتجدد الحاجة إلى قراءة المشهد بمنظورٍ أكثر عمقًا وهدوءًا؛ منظور لا يتوقف عند حدود الانفعال الآني، بل يحاول فهم التأثير الحقيقي للصورة في تشكيل الإدراك الإنساني عالميًا.
فالقضايا المرتبطة بالصورة الذهنية للأوطان لا ينبغي أن تُقرأ دائمًا بمنطق الغضب أو الاصطفاف الحاد، بل بمنظورٍ حضاري يدرك أن الإعلام اليوم لم يعد مجرد ناقل للأحداث، وإنما أصبح أحد أهم أدوات تشكيل الوعي الدولي تجاه الشعوب والثقافات والهويات.
لقد دخل العالم مرحلة أصبحت فيها القوة الناعمة أكثر تأثيرًا من كثير من أدوات الصراع التقليدي، لأن الصورة لم تعد تُستهلك محليًا فقط، بل تتحول خلال لحظات إلى مادة عالمية قادرة على إعادة بناء الانطباعات الجماعية عن أمةٍ كاملة.
ومن هنا، فإن أي معالجة فنية مرتبطة بتاريخ الشعوب أو طبيعة المجتمعات، لم تعد مجرد عمل درامي عابر، بل أصبحت جزءًا من خطاب ثقافي وإنساني واسع التأثير، خاصة في ظل المنصات العالمية التي تعيد تقديم المجتمعات أمام ملايين المتلقين بلغات وثقافات مختلفة.
لكن الوعي الحقيقي لا يقوم على الرفض المطلق، كما لا يقوم على التلقي غير النقدي.
فالطرح الناضج هو القادر على التمييز بين حرية الإبداع، وبين أهمية الحفاظ على التوازن في تقديم هوية الشعوب وتاريخها الحضاري.
إن الدفاع عن الوطن لا يكون فقط برفض ما نختلف معه، وإنما أيضًا بإنتاج خطاب إعلامي راقٍ، يمتلك القدرة على توضيح الحقيقة دون صدام، وعلى حماية الهوية دون الوقوع في خطاب الكراهية أو الإقصاء.
ولهذا، فإن النقاش الدائر اليوم حول بعض الأعمال الفنية يجب ألا يتحول إلى مساحة انقسام، بل إلى فرصة حقيقية لإعادة طرح سؤال بالغ الأهمية:
كيف نُقدّم أنفسنا للعالم؟
وكيف نمتلك روايتنا الحضارية بأدوات إعلامية قادرة على المنافسة والتأثير؟
فالأمم القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على الرد، بل بقدرتها على إنتاج سرديتها الخاصة بثقة واتزان.
السردية التي تنطلق من المعرفة، لا من الانفعال… ومن الوعي، لا من رد الفعل المؤقت.
ومن هنا، يصبح الوعي القومي العربي مسؤولية مشتركة، لا تقوم على الحساسية المفرطة أو العصبية الوطنية، بل على إدراك أن صورة أي دولة عربية تنعكس — بشكل أو بآخر — على صورة الإنسان العربي في الوعي الدولي.
إن المجتمعات العربية، بما تمتلكه من عمق حضاري وتنوع ثقافي، تستحق أن تُقدَّم للعالم بصورة أكثر توازنًا وإنصافًا؛ صورة تعترف بالتحديات الإنسانية والتاريخية، دون أن تختزل هوية الشعوب داخل قوالب درامية ضيقة قد تتحول مع الوقت إلى صور ذهنية ثابتة.
فما نحتاجه اليوم ليس إعلامًا غاضبًا، بل إعلامًا حكيمًا…
إعلامًا يؤمن بأن الفن والثقافة والقوة الناعمة يمكن أن تكون جسورًا للفهم والسلام والتقارب الإنساني، لا أدوات لإعادة إنتاج الصور السلبية أو تغذية الانقسامات الفكرية بين الشعوب.
إن المرحلة الحالية تتطلب انتقالًا حقيقيًا:
من ثقافة “الرد والانفعال”، إلى ثقافة “الوعي والمسؤولية بالدور القومي”.
لأن الأمم لا تُهزم فقط عندما تخسر المعارك…
بل حين تفقد قدرتها على رواية نفسها بنفسها.