ثلاثي القوة ( العرب ، تركيا، ايران) : نحو إعادة رسم توازن القوى في مواجهة الارهاب وتعزيز الاستقرار والسلام

 

اليمن
……..
بقلم د. عبد القوي ابراهيم الاحمدي …

…….
يعيش الشرق الأوسط مرحلة تحوّلية تتّسم بتزايد التعقيد الجيوسياسي، وتدهور القواعد التقليدية للنظام الإقليمي. وسط هذا المشهد، يُمثّل الوجود الإسرائيلي الاستيطاني تحدّيًا مركزيًا لأسس الأمن والاستقرار والعدالة في المنطقة، ليس فقط على المستوى الفلسطيني بل الإقليمي والدولي أيضًا. في ظل فشل المبادرات الأحادية وتراجع الدور الأميركي التقليدي، تبرز الحاجة إلى استراتيجية ثلاثية الأبعاد، تشمل العرب وتركيا وإيران، تقوم على الواقعية السياسية، وتتبنى التكامل لا التنافس، وتُدار بمنطق المصالح المشتركة في مواجهة المشروع الاستعماري الارهابي الإسرائيلي المدعوم دوليًا.
أولًا: الجذور البنيوية للاختلال في توازن القوى في الشرق الاوسط .
1. هشاشة الإطار الإقليمي العربي – التركي – الإيراني
_ فجوة الثقة: مثقلة بتاريخ من الشكوك والتحالفات المتبدلة (خصوصًا بعد 2011)، تفتقر العلاقات بين الأطراف الثلاثة إلى قاعدة صلبة لتقاسم النفوذ أو إدارة الخلافات.
_ تضارب الأولويات: بينما يركز العرب (خاصة الخليج) على استقرار الطاقة والممرات الملاحية، تنشغل إيران بتمدد نفوذها في “محور المقاومة”، في حين تتراوح تركيا بين طموح زعامة سنية واقتصاد يعاني من التآكل.
_ غياب مؤسسات إقليمية فاعلة: لا توجد آلية مؤسسية دائمة تجمع هذه القوى الثلاث لمناقشة الأمن الجماعي أو التعاون الاقتصادي أو قضايا الاستيطان.
2. التمدد الإسرائيلي كخطر مركزي
_ تسارع الاستيطان: ما يزيد عن 700 ألف مستوطن يعيشون في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بزيادة 20% خلال العقد الماضي.
_ الاختراق الإقليمي: اتفاقيات “أبراهام” فتحت الباب لتغلغل إسرائيلي في البنى الأمنية والتكنولوجية لدول الخليج.
_ الهيمنة السيبرانية: شركات إسرائيلية تنشط في مجالات المراقبة والذكاء الاصطناعي والدرونز تُسهم في مراقبة المعارضين محليًا وإقليميًا.
ثانيا : سياق دولي متغير.
1. انحسار الأحادية الأميركية
_ تراجع الالتزام الأميركي: انكفاء واشنطن عن لعب دور ضامن فعلي لحل الدولتين بعد عهد ترامب وبايدن.
_ تآكل الردع الأميركي: تزايد قدرات الفاعلين الإقليميين غير الدوليين (الحوثيين، حزب الله، فصائل غزة) مع عدم ردع مباشر من واشنطن أو تل أبيب.
2. الصعود المتعدد الأقطاب
_ الصين: تسعى لتمكين دورها في النزاعات الإقليمية وتوسيع مبادرة “الحزام والطريق” لتشمل البنى التحتية في المشرق العربي وتركيا.
_ روسيا: حاضرة عسكريًا وسياسيًا في سوريا، تسعى لاستثمار تراجع الغرب لبناء تحالفات أمنية جديدة.
_ الاتحاد الأوروبي: قلق من تداعيات النزاع الفلسطيني على أمن المتوسط، لكنه يعاني من انقسام داخلي حول إسرائيل.
3. الفرص والتحالفات البديلة
_ منظمة شنغهاي للتعاون: إطار مهم يمكن للعرب وتركيا وإيران استغلاله لتعزيز مواقفهم الاستراتيجية مقابل الغرب.
_ بريكس+: فرصة لبناء تكتل اقتصادي – سياسي يتعامل بعملات بديلة ويوفر آليات تمويل بديلة لصندوق النقد.
ثالثا: أولويات استراتيجية مشتركة واقعية وممكنة لثلاثي القوة ( العرب _ تركيا_ ايران)
1. أولويات أمنية عاجلة
_ إنشاء مظلة دفاع إقليمي بحري – جوي ضد التهديدات الارهابية الاسرائيلية العابرة (الدرونز، الصواريخ، القراصنة).
_ توحيد جهود مكافحة التجسس الإلكتروني وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول التحركات الارهابية الإسرائيلية في البحر الأحمر وشرق المتوسط والمنطقة والعالم.
2. أولويات سياسية – دبلوماسية
_ إعادة تفعيل القرار الدولي 2334 حول عدم شرعية الاستيطان من خلال تحالف دبلوماسي ثلاثي يدفع باتجاه تصويت جديد في الجمعية العامة أو مجلس الأمن.
_ دعم الفلسطينيين في التوافق على قيادة فلسطينية كمرجعية موحدة تحت مظلة إصلاح شامل لمنظمة التحرير، مع تمكين “القدس” كعاصمة حقيقية لا رمزية وصولا الى تحقيق دولة فلسطينية على الارض.
3. أولويات اقتصادية – تنموية
_ إنشاء صندوق مشترك لدعم صمود المجتمعات العربية في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن، وربط الاقتصاد المقاوم بالبنى التحتية الإقليمية.
_ تعزيز التكامل التجاري العابر للحدود عبر خطوط نقل إقليمية عابرة (ميناء العقبة – دمشق – طهران – أنقرة_ دبي_ عدن _ الاسكندرية_ … )، تقطع الطريق على النفوذ الإسرائيلي في الموانئ والسكك.
4. آليات احتضان دولية:
_ إشراك مجلس الأمن في اعتماد المواثيق والتشريعات الدولية وآليات الإغاثة المشتركة.
_ التعاون مع بريكس+ ومنظمة شنغهاي لتعزيز التمويل البديل والاستثمارات التطويرية بعيدًا عن الاعتماد على العملات الغربية.
5. اطلاق المنتدى الإقليمي السنوي للاستقرار والسلام.
ويتكون من مؤتمر وزاري يُعقد سنويًّا يضم جلسات عليا ولجان تقنية دائمة بهدف
مراجعة تنفيذ آليات الردّ على الاستيطان والإرهاب الاسرائيلي في فلسطين والمنطقة والعالم، و ابتكار و تنسيق المشاريع التنموية والامنية المشتركة و تقييم تنفيذها.
6. إطلاق منصات رقمية مشتركة للتضامن الشعبي والثقافي .
تشمل مواقع قنوات فضائية مشتركة، منصات رقمية، مهرجانات ثقافية، بهدف ترسيخ الرواية المشتركة والتاريخ الحضاري بين العرب وتركيا وإيران، وتفنيد الروايات الاستعمارية بشأن فلسطين والمنطقة، تضم جامعات ومراكز بحوث ومنظمات مجتمع مدني عربية، تركية، إيرانية.
خاتمة: من التنافس إلى التكامل
إن مواجهة المشروع الاستيطاني الارهابي الإسرائيلي لم تعد قضية فلسطينية فحسب، بل قضية إقليمية ودولية تتعلّق بإعادة صياغة توازنات العالم الجديد. وعلى العرب وتركيا وإيران أن يخرجوا من أسر التاريخ، وأن يتجاوزوا تناقضاتهم البنيوية، لبناء استراتيجية واقعية، فعالة، ومؤثرة. لا يمكن إعادة رسم توازن القوى دون تحالفات جديدة تنطلق من المصالح لا الأيديولوجيا، ومن الوعي بالتهديد لا بالاستهانة به، ومن العقلانية الاستراتيجية لا من ردود الفعل المتفرقة.
فمن خلال تطوير وتنفيذ هذه الاستراتيجية المتكاملة، يُمكن للعرب وتركيا وإيران، وبدعم دوليّ فعّال، إعادة رسم توازن القوى في الشرق الأوسط، وكبح الإرهاب والاستيطاني الإسرائيلي، وتحقيق سلام و استقرار تنموي وأمني مستدام داعم للسلام والاستقرار العالمي ضمن سياق اقليمي و عالمي متغيّر.

قد يعجبك أيضًأ