ترامب ودبلوماسية الأزمات: من صراعات متعددة الأطراف إلى إعلان استراتيجي ضخم (مرتقب) …

 

اليمن
بقلم / عبدالقوي ابراهيم الاحمدي

…..
بينما تستعد الإدارة الأميركية الحالية لتركيز “إعلان ضخم” في الشرق الأوسط، حرص ترامب على إظهار فعاليته الدبلوماسية والاقتصادية في ساحات متعددة حول العالم ، من الضغط لوقف إطلاق النار في أوكرانيا واليمن والهند–باكستان، إلى إعادة ترتيب حسابات التجارة مع الصين وكندا والمكسيك وبريطانيا.
في هذا المقال سنحاول تحليل هذه التدخّلات (أو المحاولات الدبلوماسية) التي قام بها الرئيس ترامب أو فريقه في الصراعات المتسارعة قبل وأثناء زيارته المرتقبة للشرق الأوسط، مع شرح دوافعها، وعلاقتها بالخيارات التي قد يعلن عنها وأولوياتها التنفيذية …
اولا: الاهداف:
في سياق رؤية الرئيس ترامب ” أمريكا أولا” تهدف هذه التحركات الامريكية إلى:
1) إبراز قدرة واشنطن على إعادة الاستقرار بسرعة.
2) خلق زخْم دبلوماسي يهيئ الأجواء لإطلاق “إعلان غزة” الاستثماري–الأمني.
3) تحقيق مصالح الطاقة والتجارة الأميركية.
4) استباق النفوذ الروسي والصيني والإيراني في ملفات إقليمية وعالمية.
ثانيا: التدخلات في الصراعات العالمية
1) الحرب الروسية–الأوكرانية.
أعلن ترامب عن دعوته لوقفٍ شامل للأعمال الحربية بين روسيا وأوكرانيا مع تبنّي “وقف إطلاق نار مدته 30 يوماً” قبيل زيارته، مدعياً أن ذلك سيمهّد لطاولة مفاوضات مباشرة (Reuters).
و رغم بعض الإشارات الإيجابية من بوتين واقتراحه محادثات في إسطنبول، واصلت روسيا شنّ ضربات جوية بما في ذلك هجمات بالدرون على كييف، مما دفع ترامب للضغط أكثر عبر تهديد بفرض عقوبات إضافية في حال استمر التصعيد
2) صراع الحوثيين مع إسرائيل والولايات المتحدة.
أعلن ترامب عن وساطة أمريكية–عُمانية لوقف هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر وساحل إسرائيل، ثم أمر بوقف الغارات الأميركية بعد التوصل إلى “مصالحة مرحلية” وفترة تهدئة بوساطة سلطنة عُمان ، و في المقابل، واصل الحوثيون إطلاق صواريخ باتجاه أهداف إسرائيلية، فامتدت مهمة ترامب لإصدار تحذيرات أمنية وحشد دعم خليجي لمراقبة الممرات البحرية.
3) التوتر الهندي–الباكستاني.
بادر ترامب عبر مبعوثيه للتوسط في اتفاق لوقف النار في إقليم كشمير، وأشاد لاحقاً بـ”نجاح” هدنة مؤقتة أعلنتها نيودلهي وإسلام آباد، رغم تبادل الاتهامات بخرق الهدنة خلال ساعات من الاتفاق , و دعمه الدبلوماسي هذا يأتي ضمن سعيه لعرض نموذج “الوساطة السريعة” كميزة للتأثير الإقليمي قبل الرحلة إلى الخليج.
4) الصراع الروسي–الأمريكي والصيني–الأمريكي.
رفع ترامب تعريفات جمركية على الواردات الصينية إلى مستوى قياسي (145%)، ثم أرسل وزير التجارة إلى جنيف لاستئناف مفاوضات خفض التوتر التجاري مع بكين ، و في آنٍ واحد، لجأ إلى منصّة مجموعة السبع لتحذير موسكو من أن استمرار الحرب في أوكرانيا سيؤدي إلى عزلة دائمة وخسائر اقتصادية إضافية، بما يرسخ صورة واشنطن زعيمة القطب الغربي.
5) صراعات التجارة الأميركية–الكندية–المكسيكية.
في مقابل تهديد بفرض رسوم جمركية على السيارات الكندية والمكسيكية، قرّر ترامب إسقاط هذه الرسوم عنهما قبيل تجديد اتفاق (USMCA) بهدف الحفاظ على توازن سياسي مع حلفاء أمريكا الشماليين, و هذا الانفتاح الجزئي استهدف تأمين معبر بحري من كندا والمكسيك لنقل معدات إعادة إعمار غزة لاحقاً بكلفة أقل.
6) التحالف مع بريطانيا.
أعلن ترامب عن “اختراق قريب” في مفاوضات اتفاق تجارة حرة مع لندن، مع خفض التعريفات على الصلب إلى الصفر، ليعزز الروابط مع حليفه التاريخي قبل جولته الخليجية.
ثالثا: دوافع هذه التدخلات
1) إظهار القدرة التنفيذية السريعة والاستعداد لتسوية النزاعات الدولية قبل زيارة كبرى، لتعزيز صورته كوسيط موثوق يحقق “النتائج على أرض الواقع” (وقف نار، اتفاقات تجارة).
2) خلق زخْم دبلوماسي واقتصادي يمهّد لإطلاق “إعلان غزة” بوصفه تتويجاً لهذه الجهود، عبر ربطه بجولة تشمل السعودية والإمارات وقطر، وكذلك إشراك الأوروبيين.
3) خدمة أولويات المصالح الأمريكية: من جذب الاستثمارات الخليجية
4) تأمين مصادر الطاقة (اتفاق نووي سعودي)، إلى احتواء نفوذ روسيا وإيران تجارياً وعسكرياً.
5) تعزيز الاستقرار الإقليمي في المحيط الجغرافي لمشروع غزة بالتعاون مع حلفاء متنوعين (الهند واليابان وأوروبا)، بما يوفر بيئة آمنة للاستثمار والإعمار لاحقاً.
رابعا: خيارات الاعلان الاستراتيجي الضخم والمرتقب وعلاقاتها بهذه التدخلات.
1) آلية الاستثمار المسرّعة: زادت جهود تسريع الاتفاقات مع دول الخليج وجذب رؤوس الأموال قبيل القمة، تمهيداً للإعلان عن صندوق استثماري لتمويل إعادة إعمار غزة.
2) الاتفاق النووي المدني السعودي–الأمريكي: المفاوضات المعلنة تحت الفصل 123 جاءت ضمن حزمة متكاملة لتعزيز الطاقة النظيفة في المنطقة، وربطها بإطار إعادة الإعمار وإعفاءات ضريبية سعودية في مشروع غزة.
3) إطار إعمار غزة: وقف نار مؤقت في اليمن وكشمير ورسائل لـكييف يُستخدم كدليل على نجاح واشنطن في إنهاء النزاعات، لتسويق “خطة مارشال غزة” كعلاج شامل يضم وقفاً فورياً للمعارك وتدفق الاستثمارات.
4) الضمانات الأمنية: عرض قوة دولية لحفظ السلام في غزة سيُعلن بالتزامن مع نجاح تجارب الوساطة في كشمير واليمن، لتسليط الضوء على نموذج “الأمم المتحدة–أمريكا” في إدارة القضايا الأمنية.
خامسا: خطوات التنفيذ المتوقعة على أرض الواقع.
1) إصدار أوامر تنفيذية لتوسيع صلاحيات التفاوض مع صناديق الثروة الخليجية وتبسيط العقود الاستثمارية.
2) مذكرات تفاهم مع السعودية والإمارات وقطر تسبق توقيع أي معاهدة، لتحديد الأطر التقنية (النووية–الجمركية–اللوجستية) بشكل سريع.
3) طلبُ قرار أممي مشترك (الفصل السابع أو الجمعية العامة) يُجيز نشر قوة حفظ سلام دولية في غزة، استناداً إلى “نجاحات الوساطة” في أوكرانيا واليمن وكشمير.
4) تنظيم مؤتمر دولي للمانحين في الرياض يسبق القمة، لاستعراض خارطة طريق إعادة الإعمار البنّاءة والبيضاء، تمهيداً للإعلان “الضخم” قبل الرحلة.
وختاما: لعله و بهذه الدبلوماسية المتكاملة للصراعات المتزامنة عالمياً، يسعى ترامب لإثبات جدارته الدبلوماسية والاقتصادية، ولتهيئة الأرضية لإطلاق مبادرة إعادة إعمار غزة تحت الإدارة الأميركية المشتركة مع دول عربية وإسلامية وأوروبية. وبغض النظر عن الاعلان الاستراتيجي الضخم المرتقب فان مدى تحقيقه لمصالح العرب والمسلمين يتوقف على مدى دورهم القيادي المستقل كفاعلين وليس على دورهم كأدوات لفاعلين؟!.

قد يعجبك أيضًأ