أبو عبيدة  ……. صوت المقاومة وظلّها

 

مصر

كتبت     ……..     هدوى محمود

 

في التاريخ المعاصر للشعوب، تتجسد أحيانًا رموز لا ترتبط بأشخاص بقدر ما ترتبط بفكرة أو قضية. وفي فلسطين، التي عاشت وما زالت تعيش تحت الاحتلال منذ عقود، برزت شخصية أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكرية لحركة المقاومة الإسلامية حماس، كأحد أبرز الرموز التي جمعت بين الكلمة والسلاح، وبين الغموض والحضور القوي.

البداية والظهور الأول

لم يكن ظهور أبو عبيدة على الإعلام حدثًا عابرًا، بل جاء في لحظة كانت المقاومة الفلسطينية بحاجة إلى صوتٍ يوحدها، وينقل رسالتها للعالم. منذ بداية الألفية الثانية، بدأ اسمه يتردد مع كل بيان عسكري، ومع كل عملية نوعية تنفذها المقاومة. ومع مرور الوقت، أصبح اسمه مرتبطًا بشكل وثيق بأي مواجهة أو تصعيد عسكري بين غزة والاحتلال الإسرائيلي.

سرّ الغموض

أكثر ما يلفت الانتباه في شخصية أبو عبيدة هو ذلك الغموض الذي يحيط به. فلم يظهر وجهه بشكل علني، إذ ظلّ يخفي ملامحه وراء الكوفية الفلسطينية أو القناع الأحمر المميز. هذا الإخفاء لم يكن مجرد إجراء أمني لحمايته من الاستهداف، بل تحوّل إلى جزء من رمزيته، حتى بات كل فلسطيني وعربي يتخيله على طريقته الخاصة. لقد أراد أن يقول من خلال ذلك إن المقاومة أكبر من الفرد، وإن القائد الحقيقي هو الفكرة التي يعيش ويموت من أجلها المقاومون.

قوة الخطاب وأثر الكلمة

ما يميز أبو عبيدة ليس فقط كونه متحدثًا باسم الجناح العسكري لحماس، بل نبرة صوته وخطابه الذي يتسم بالثقة والثبات. في كل مرة يتحدث فيها، يُشعر الفلسطينيين والعرب والمسلمين أن المقاومة قوية، وأنها قادرة على مواجهة الاحتلال مهما كانت الظروف.
بياناته القصيرة غالبًا ما تُبث في لحظات حرجة، فيجد الناس فيها نوعًا من الطمأنينة والأمل، بينما ينظر إليها العدو باعتبارها رسائل مشفرة تحمل في طياتها تهديدًا حقيقيًا.

ما بين الإعلام والفعل الميداني

من نقاط القوة التي جعلت أبو عبيدة يحظى بمصداقية واسعة أنه لم يكن مجرد متحدث ينقل كلمات إنشائية، بل إن بياناته كانت دائمًا مرتبطة بعمليات نوعية على الأرض. كل كلمة يقولها يقابلها فعل عسكري أو ميداني، الأمر الذي جعل خطابه مختلفًا عن كثير من الخطابات العربية التقليدية التي تكتفي بالشعارات. بهذا المزج بين الكلمة والفعل، أصبح أكثر من مجرد ناطق إعلامي، بل أيقونة حقيقية للمقاومة.

مواقفه البارزة في الحروب الأخيرة

معركة سيف القدس 2021

في أيار/مايو 2021، برز صوت أبو عبيدة بشكل استثنائي خلال معركة “سيف القدس” التي جاءت ردًا على محاولات الاحتلال تهجير أهالي حي الشيخ جراح بالقدس واقتحام المسجد الأقصى.
ظهر أبو عبيدة ليعلن باسم القسام “الخطوط الحمراء” التي وضعتها المقاومة دفاعًا عن القدس، وأكد أن المساس بالمسجد الأقصى لن يمر دون رد.
وبالفعل، تحولت تهديداته إلى أفعال مع إطلاق مئات الصواريخ باتجاه تل أبيب ومدن الاحتلال، الأمر الذي شكّل صدمة غير مسبوقة لإسرائيل، ورسّخ مكانته كصوتٍ للقدس ودرعٍ لها.

حرب 2023 – معركة طوفان الأقصى

مع اندلاع معركة “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023، عاد اسم أبو عبيدة ليتصدر المشهد العربي والعالمي. بياناته خلال هذه الحرب لم تكن بيانات عسكرية فحسب، بل كانت خطابات وجّهت الرأي العام العربي والإسلامي، وأكدت أن المقاومة تمتلك زمام المبادرة رغم شراسة العدوان الإسرائيلي.
في أكثر من ظهور، حرص أبو عبيدة على التذكير بأن المقاومة تقاتل نيابة عن الأمة كلها، وأنها باقية رغم الحصار والدمار. كما حملت بياناته رسائل قوية للداخل الفلسطيني برفض الاستسلام، ورسائل تحدٍ للمحتل بأن المعركة لن تُحسم عسكريًا مهما بلغ حجم القوة المستخدمة.

رمزٌ عابر للحدود

لم يتوقف تأثير أبو عبيدة عند حدود فلسطين. فقد أصبح رمزًا عربيًا وإسلاميًا يتابعه الملايين، ويتناقلون كلماته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويرون فيه نموذجًا للثبات والصمود. كل ظهور له يتحول إلى حدث إعلامي تنتظره الجماهير، فيما تراقبه إسرائيل بدقة خشية أن يحمل جديدًا يغير المعادلة على الأرض.

إن شخصية أبو عبيدة تلخص في جوهرها معنى المقاومة الفلسطينية: الغموض الذي يحميها، الكلمة التي تعبر عنها، والفعل الذي يثبت وجودها. هو ليس مجرد متحدث باسم كتائب القسام، بل صوت قضية عمرها عقود، وذاكرة ناطقة لمقاومة لا تموت.
فكما أصبح صوته رمزًا للأمل عند الشعوب، فإنه في الوقت نفسه يمثل هاجسًا ورعبًا للاحتلال، الذي يدرك أن خلف ذلك الصوت قوة لا يستهان بها. وهكذا، يظل أبو عبيدة شاهدًا حيًا على أن المقاومة ليست فقط بالبندقية، بل بالكلمة التي تزرع في القلوب يقينًا أن النصر قادم، ولو بعد حين.

قد يعجبك أيضًأ