يُعد شرق السودان مسرحاً تاريخياً لمعارك فاصلة خاضتها قبائل البجا ضد القوى الاستعمارية.. فقد شكّلت هذه القبائل، بما عُرف عنها من شجاعة وبأس، حائط صد أمام الجيوش المدججة بالأسلحة الحديثة، وأثبتت أن الإرادة والعزيمة أقوى من الحديد والنار ..
اشتهر المقاتل البجاوي باستخدام أسلحته التقليدية ــ السيوف والرماح والحراب ــ بطريقة أربكت العدو .. كانوا يعتمدون على الهجمات المباغتة من المرتفعات، والانسحاب السريع لإعادة التموضع .. بل إن الأمير سعدون ابتكر أساليب جديدة مثل استخدام الأدوات الحادة الملفوفة في جلود الإبل لتمزيق صفوف العدو ، ما أدى إلى انهيار المربع البريطاني الشهير ..
لم تكن هذه المواجهات مجرد معارك متفرقة ، بل شاركت فيها قبائل متعددة مثل الهدندوة، البشارين، الحداربة، والمانوياب وغيرهم .. كان لكل قبيلة دورها : منهم من تولى الاستطلاع؛، ومنهم من قاد الهجمات ، ومنهم من وفر الإمداد والدعم .. هذه الوحدة منحت البجا قوة ميدانية صلبة مكنتهم من إلحاق خسائر كبيرة بالعدو ..
حتى الوثائق البريطانية والعثمانية أشادت بشجاعة البجا .. فقد كتب بعض الضباط البريطانيين في مذكراتهم عن دهشتهم من شراسة المقاتل البجاوي وهيبته .. بل إن شاعراً بريطانياً وصف المقاتل البجاوي بأنه أسد هصور يحمل سيفه كأنه شعلة من نار ، في اعتراف مباشر بمهابته في ساحة القتال ..
ولم تقتصر البطولة على الرجال، فقد لعبت المرأة البجاوية دوراً محورياً في الإمداد والتحفيز .. كانت تشارك في تجهيز الطعام والماء ونقل المؤن ، بل ووقفت في الصفوف الخلفية لتشجيع المقاتلين ، مما أضفى بُعداً مجتمعياً متكاملاً لهذه المقاومة ..
ومن أبرز الأحداث التي خلدها التاريخ : معركة تاماى ، التي شاركت فيها قبائل المانوياب بقوة في اختراق الصفوف البريطانية، وكسر المربع البريطاني بقيادة عثمان دقنة وسعدون .. وهو حدث صدم بريطانيا ودفع الملكة فيكتوريا للتدخل المباشر ، وإرسال تعزيزات جديدة ، إلى جانب الانسحابات التكتيكية التي كان يديرها عثمان دقنة بذكاء ، حيث كان ينسحب أحياناً لمواقع استراتيجية استعداداً لهجمات جديدة ، مما أرهق العدو معنوياً وميدانياً ..
تمثل معارك البجا ضد الاستعمار ملحمة بطولية فريدة في التاريخ السوداني والإفريقي .. فقد واجهوا بأسلحتهم التقليدية جيوشاً حديثة ، وتركوا بصمة لا تُمحى في ذاكرة المقاومة الوطنية .. وتبقى هذه البطولات إرثاً عظيماً يجب توثيقه وتدريسه للأجيال القادمة ، تأكيداً على أن الصمود والإرادة أقوى من كل قوة استعمارية ..
بناء عليه نوصي بالرجوع للمصادر الاتيه :- – كتاب محررات عثمان دقنة .. الذي جمعه البروفسر محمد ابراهيم ابوسليم .. – وكذلك كتاب الاستاذ محي الدين ابو شامة ، الذي فصل فيه كل الاربعة عشرة معركة التي خاضها وانتصر فيها المناضل عثمان دقنة ، باتباع الوسائل التي سبق ذكرها .. والجدير بالذكر أن الكاتب الذي كتب محررات عثمان دقنة هو السيد سعيد بعشر .. جد البعاشرة المعروفين في شرق السودان ..
وفي الختام نوصي بتسجيل كل هذا التاريخ في مراكز البحوث والاكاديميات العسكرية .