في زمنٍ تتعالى فيه أصوات المدافع على صوت الضمير، ولحظةٍ يُراد فيها طمس هوية شعبٍ وتهجيره قسرًا من أرضه… ارتفع الصوت المصري عاليًا، ليصدح أمام العالم كله صدحًا: لا للتهجير… لا للتصفية… لا للظلم. حيث أعربت الخارجية المصرية عن بالغ استهجانها لتصريحات رئيس الوزراء الإســ*ـــرائــ*ــيــ*ــلي – التي تنم عن بلطجةٍ علنية- في بيانٍ لم يكن مجرد كلمات بروتوكولية تُلقى في أروقة الدبلوماسية، بل كان صرخة عدلٍ ونداء حقٍّ، يفضح محاولات الاحـ*ــتــ*ـلال تحويل فلسطين إلى صفحةٍ مطوية في دفاتر التاريخ… كيف لا، وقد كان البيان وضعًا للنقاط على الحروف، وتصريحًا بأن فلسطين ليست للبيع، وغزة ليست بوابة عبور، ومعبر رفح لن يكون معبراً للظلم. حقًّا، لقد وضعت بلادنا موقفها في سياق أخلاقي وسياسي صارم حين أكدت أن السياسات الإسـ*ـرائـ*ــيـ*ــلـ*ـية التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية في فلسطين عامةً، وغزة على وجه الخصوص، إنما هي جرائم حربٍ ترتقي إلى مستوى التطهير العرقي، لافتةً إلى أنه لا تهجير تحت أي مسمى، لا قسراً ولا طوعاً، ولا مساومة على هوية الشعب الفلسطيني. ليس هذا فحسب، بل وأكدت كذلك أن مصر بتاريخها وثقلها وضميرها لن تكون شريكًا في مأساة يراد تكريسها، ولا أداةً في مخطط يهدف إلى اقتلاع الفلسطيني من جذوره، قائلةً بكل صراحةٍ ووضوح: هذا خط أحمر لا يقبل المساومة ولا يتغير بتغير الظروف. نعم، لقد بدا صوت الدولة المصرية صلبًا، لا يهادن ولا يساوم: هناك خط أحمر لا يُمسّ، وخيارٌ استراتيجي لا يتغير…. وهذا إن دل فإنما يدل على أن موقف الدولة المصرية الثابت من تلك القضية إنما هو نابعٌ من إدراكٍ عميق بأننا لا نحمي حدودنا وفقط، بل نحمي معنى العدالة الإنسانية في زمنٍ فقد العالم فيه إنسانيته، فلم يحرك ساكنًا أمام تلك المجازر الوحشية والإبادة الجماعية. لم يقف البيان عند حدود الرفض، بل طالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته، وخاصة مجلس الأمن، لتأمين الحماية للشعب الفلسطيني، ودعم صموده في غزة والضفة بما فيها القدس الشرقية….. بل إن شئت قلت أحرج العالم وتعمد وضعه أمام مرآة القيم التي طالما تشدق بها: أين مجلس الأمن؟ أين العدالة الدولية؟؟!!! أين الذين صدّعوا رؤوسنا بحقوق الإنسان؟؟!!! لقد أثبتت القاهرة أنها صوت لا يُشترى، وأن قوتها ليست في السلاح وحده، بل في الموقف الواضح الذي لا يخشى المواجهة….. إنها مصر التي علّمت الدنيا معنى الكرامة. إنها مصر التي تدرك أن فلسطين ليست قضية حدود مجاورة، بل قضية وجدان عربي وإسلامي، وقضية مبدئية لا يمكن التفريط فيها. إنها مصر، التي أعلنت بوضوحٍ رفضها التام لمحاولات الاحـ*ــتـ*ــلال دفع الفلسطينيين إلى خيارٍ مستحيل بين البقاء تحت القصف والتجويع أو الرحيل عن أرضهم. إنها مصر التي أكدت أن مثل هذه المحاولات لن تجد في بلادنا سندًا لها ولا غطاء. إنها مصر التي أكدت أمام العالم أننا لن نكون طرفاً في هذه الجريمة، ولن نسمح بتحويل معبر رفح إلى جسر للتهجير. كل هذه التصريحات، فضلاً عن الموقف الواضح الثابت منذ بداية الأزمة، يزيدنا قناعةً ويثبت للعالم أن مصر ليست دولة تبحث عن دور، بل موقفها موقف أمة لا تخون ولا تنحني، أمة تحفظ نفسها من الانكسار، وتدرك أن من يفرّط في فلسطين يفرّط في ذاته أولاً . إن الحقيقة الساطعة كسطوع الشمس في وضح النهار، هي أن الصوت المصري اليوم يدوي ليعيد البوصلة إلى مسارها الصحيح، ويؤكد في ذات الوقت أن القضية الفلسطينية ليست قضية منسية، ولا ورقة مساومة، بل هي جرح مفتوح في جسد الأمة، لا يلتئم إلا برفع الظلم عن المستضعفين، وأن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ليس ترفاً سياسياً ولا حلمًا بعيد المنال، بل هو الحقيقة التي ستفرض نفسها آجلاً أو عاجلاً، لأنها تتسق مع المنطق الإنساني، ومع حق تقرير المصير، ومع التاريخ الذي لا يرحم الطغاة مهما طال بهم الزمن. وإذا كان العالم يشيح بوجهه، فإن الدولة المصرية تذكّره أن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن دماء الأطفال تحت ركام غزة تظل شاهدة على أن العدالة قد تغيب لكنها لا تموت . حفظ الله بلادنا وأدامها عزيزةً أبية.