مصر اسيوط
بقلم / أحمد حسين ابوحتة
لما أغمض الحبيب المصطفى والنبيُّ المجتبى ﷺ عينيه الطاهرتين، وانقطع الوحي من السماء، ارتجّت المدينة رجَّ الأرض عند الزلازل، وكأنّ أركانها تنادي: من بعدك يا رسول الله؟!!
ارتجفت القلوب، واضطربت العقول، وكاد الحزن يطمس نور اليقين، حتى قام الصدّيق أبو بكر – رضي الله تعالى عنه وأرضاه- بثبات الجبال حين تميد الرمال، وقال كلمته الخالدة: «أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت»، وتلا قول مولانا “وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَأَيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ” فهدأت القلوب، وسكنت العيون، وعاد الصفُّ الممزّق يجتمع حول راية الإسلام.
وما هي إلا لحظات حتى برزت الحاجة الكبرى، والسؤال الملح: من يقود هذه الأمة بعد نبيها المعصوم؟ من يضبط أمورها، ويحفظ وحدتها، ويقيم شعائرها؟ فاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، يتشاورون في أمر الخلافة، وقلوبهم تريد الخير، لكنّ النفوس البشرية قد تميل أحيانًا إلى العصبية…. ولأن الزمان كان أدقّ من أن يُترك للهوى أو المجاملة، لذا برز دور المهاجرين، فجاء أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، ليضعوا الأمر في نصابه، ويقيموا الحجة بالحكمة والبيان.
فوقف الصدّيق رضي الله عنه بين الجمع خطيباً، يذكّر بفضل الأنصار وجهادهم، ويشيد بمواقفهم ونصرتهم، ثم يقول: “إنما الناس تبع لقريش، هم أوسط العرب نسبًا وأعربهم دارًا، وقد رضيتُ لكم أحد هذين الرجلين: عمر أو أبا عبيدة”….أرأيتم كيف قدّم غيره على نفسه، وهو أعلم الناس بفضله، وأحبهم إلى رسول الله ﷺ وأقربهم لقلبه؟! …. وما ذاك إلا تواضع الصديق، وسموّ نفسه عن طلب الدنيا وزخارفها، وهذا ليس بغريبٍ منه ولا بعجيب، فهو الذي شرب وارتوى من معين الحبيب.
غير أن الفاروق عمر – رضي الله عنه- أدرك – بعين الفقيه الناصح- أنّ الأمة لا يصلح لها حينئذٍ إلا أبو بكر، فهو الصاحب في الغار، وهو المؤازر في كل مشهد، وهو الذي أمّ الناس في الصلاة بأمر رسول الله المختارﷺ، حين اشتد به المرض……فما كان من سيدنا عمر رضي الله عنه إلا أن بدأ فمدّ يده إلى أبي بكر وبايعه، وتتابع المهاجرون والأنصار، حتى صارت البيعة عامة، واجتمعت الكلمة على رجلٍ لم يختلف على فضله اثنان. وهكذا تحققت كلمة الله: أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وأن الحق يعلو ولو تفرّقت الأصوات.
لقد كانت تلك اللحظة من اللحظات الحاسمة، ولم تكن مجرد اختيارٍ سياسي، أو عرسٍ ديمقراطي، بل كانت تجديدًا للعهد مع الله، أن يسيروا على ما سار عليه نبيهم ﷺ، وأن يقيموا دينه، ويهتدوا بهديه وينشروه، ويحفظوا أمانته، وكان اختيار سيدنا أبي بكر دليلٌ على تكريم الله له، وشهادة على صدقه وتجرده، فقد صدّق في حياته مع النبي ﷺ، فصدّقه الناس بعد وفاة النبي ﷺ، وجعلوه إمامهم وقائدهم.
ومن عجيب القدر أن أول ما قاله الصديق حين تولّى الخلافة: ” وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني”…. بدأ خطابه الأول بكلمات تنساب كالماء العذب، كلمات فيها تواضع بلا ضعف، وقوة بلا قسوة، وعدل بلا ميل، رسم بها معالم الحكم الراشد، الذي لا يقوم على هيبة السيف، بل على هيبة الحق.
وهكذا بدأ عهد الخلافة الإسلامية الراشدة، عهدٌ جديد، يُكتب بمداد الإيمان، ويُشيّد بأركان العدل، ويُزهر بروح الصدق والإخلاص…… ولو لم يكن لأبي بكر من فضل إلا أنه جمع الأمة بعد موت نبينا ﷺ لكفاه ذلك شرفًا وتيهًا يوم يبقى الله، ولكن الله أراد له أن يواجه الفتن، ويثبت عند المحن، فيكون أول الخلفاء الراشدين، وأقربهم شبهاً بالرسول الأمين، عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم.
وهنا نرى وندرك أن خلافة سيدنا الصديق ـ رضي الله عنه ـ لم تكن صدفة، بل كانت محض اختيارٍ إلهيٍ سارت به قلوب الصحابة قبل ألسنتهم، حتى يكتب التاريخ أن الصدّيق أولُ من ورث راية النبوة، وأول من حمل همَّ الأمة، فكان نعم الصاحب للحبيب، ونعم الخليفة والوارث الأمين .