سلسلة “عالم السحر.. بين الخرافة والواقع”

 مصر     أسوان

كتبت    ايمان حاكهم

 

الحلقة الرابعة
: السحر الأسود .. حين يمدّ الإنسان يده إلى الظل
بقلم: إيمان حاكمهم
حين يعجز الإنسان عن نيل ما يريد بالنور، يمدّ يده إلى الظل.
هكذا وُلد السحر الأسود، الوجه المظلم للسحر، حيث تتحوّل الرغبة إلى لعنات، والدعاء إلى استدعاء.
هو الباب الذي طرقه بعض البشر طوعًا، فوجدوا وراءه عالماً لا يعود منه أحد كم.
ما هو السحر الأسود؟
يُعرّف السحر الأسود بأنه استخدام القوى الخفية لإيذاء الآخرين أو السيطرة عليهم، وغالبًا ما يرتبط باستحضار الأرواح أو الجنّ، أو بعقود رمزية مع قوى يُعتقد أنها شيطانية.
ويُقابله في المعتقدات القديمة “السحر الأبيض”، الذي يُقال إنه يُستخدم للخير والشفاء.
لكن الفاصل بينهما كان دائمًا غامضًا، لأن النية لا الأداة هي ما تحدّد لونه الحقيقي.
في العصور الوسطى، أُطلق على السحر الأسود أسماء عدة:
سحر الظلام ،فنّ اللعنات، علم التحكّم بالأرواح، وحتى خدمة الشيطان.
ورغم اختلاف الثقافات، ظلّ جوهره واحدًا استعمال قوى غير مرئية لتحقيق غايات دنيوية على حساب إرادة الآخرين.
الطقوس المحرّمة عبر التاريخ
في مصر القديمة، وُجدت برديات تصف “تعويذات اللعنات” التي كانت تُكتب على تماثيل صغيرة تمثّل العدو، ثم تُكسر أو تُدفن في المقابر ليحلّ عليه الأذى.
وفي بلاد الرافدين، عُثر على ألواح طينية تُعرف باسم “اللعنات المسمارية”، كانت تُستخدم ضدّ الخصوم السياسيين أو التجار المنافسين، إذ تُكتب أسماؤهم وتُستدعى عليهم الأرواح المؤذية.
لكن أشدّ الطقوس قسوة ظهرت في أوروبا خلال القرون الوسطى.
في كتاب “Grimoire of Honorius” المنسوب إلى القرن الثالث عشر، وردت تعليمات لاستحضار الأرواح عبر الدم الحيواني ورموزٍ مرسومة بالطباشير داخل دوائر مغلقة.
كانت هذه الطقوس تُمارَس لطلب المال، أو الحب، أو الانتقام، وغالبًا ما تنتهي بمأساة نفسية أو جنونية لمن يخوضها.
السحر الأسود في الثقافات الحديثة
في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، لا يزال السحر الأسود يُمارس تحت أسماء مختلفة:
في هاييتي يُعرف باسم Obeah أو Voodoo Malefique، وفي أمريكا الجنوبية باسم Brujería Negra.
أما في آسيا، فاشتهر سحر الدمى في تايلاند وماليزيا، حيث تُستخدم رموز تمثل الشخص المستهدف، ويُقال إن وخزها أو حرقها يُصيبه بالمرض أو النحس.
وفي عالم الإنترنت، ظهرت موجة جديدة تُعرف باسم “Dark Magic Forums” منتديات سرّية يتبادل فيها المستخدمون طقوساً وتعويذات رقمية.
تقرير لمجلة Vice عام 2023 كشف أن بعض هذه المنتديات تُستخدم لتبادل “رموز شيطانية” أو “تعويذات رقمية” يُزعم أنها تُحدث تأثيرات نفسية على الآخرين، ما دفع جهات أمنية في أوروبا إلى مراقبتها بعد حالات هلع وانتحار بين الشباب المشاركين فيها.
بين الوهم والخطر الحقيقي
قد يرى البعض أن كل هذا مجرد خرافات، لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الطقوس ذاتها، بل في الإيمان بها حتى التدمير.
علماء النفس يؤكدون أن كثيرًا من ضحايا السحر الأسود يعانون من اضطرابات قلق وهوس قهري، تجعلهم يفسرون كل مصيبة بأنها لعنة .
دراسة صادرة عن جامعة كامبريدج عام 2022 وجدت أن الإيمان المفرط بالسحر والمعتقدات الغيبية يرتبط بارتفاع معدلات الاكتئاب والخوف المرضي من الآخرين.لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض القصص تبقى بلا تفسيرٍ علمي واضح.
في تقارير شرطة من أمريكا اللاتينية وأفريقيا، وُثقت حوادث غامضة وجرائم ارتُكبت تحت تأثير “طقوس شيطانية”، حيث وُجدت رموز وأسماء مكتوبة بالدم داخل دوائر مغلقة.
ربما ليست الأرواح هي التي تتحرك… بل الإنسان نفسه حين يطلق شرّه المكبوت تحت ستار الطقوس.
الإسلام والسحر الأسود.
في الإسلام، يُعدّ السحر من المحرّمات الكبرى، بل من أعمال الكفر إن اقترن بالاستعانة بالشياطين.
قال تعالى في سورة البقرة: “وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر.”
فالقرآن يفرّق بين “الفتنة والاختبار” وبين ممارسة السحر عن عمدٍ للإضرار بالناس.
ولهذا حذّر العلماء من الذهاب إلى السحرة أو تصديقهم، واعتبروا أن العلاج الشرعي يكون بالرقية الشرعية والدعاء، لا بالتعاويذ والطلاسم.
السحر الأسود.. مرآة الظلّ الإنساني
ربما لا يوجد ما يُسمّى بقوة شيطانية خارقة كما يظن الناس، لكن “السحر الأسود” يكشف جانبًا مظلمًا في النفس البشرية.
هو رغبة الإنسان في السيطرة حتى لو بالشر، في فرض إرادته ولو على حساب الآخرين.
فالسحر الأسود ليس مجرد طقوس، بل فلسفة أنانية خالصة، تُلغي الرحمة وتقدّس القوة.
وفي النهاية، يظل السحر الأسود تحذيرًا خفيًا من أنفسنا:
كلما أطلق الإنسان ظلاله، خسر إنسانيته.
في الحلقة القادمة من “عالم السحر.. بين الخرافة والواقع”سنغادر الظلّ لنتجه إلى الخيال حيث نكتشف كيف تحوّل السحر إلى رمزٍ فني في الأدب والسينما من هاري بوتر إلى الأساطير العربية، وكيف شكّل خيال البشر صورة السحر في عقول الأجيال الحديثة.

قد يعجبك أيضًأ